فؤاد سزگين
20
تاريخ التراث العربي
عندهم الرغبة في الأسفار ؛ فجابوا جميع أنحاء العالم الإسلامي ، ليلقوا العلماء ، ويغشوا مجالس العلم . وهذا الاتصال الحي بين العلماء ، وتأثيرهم في بعضهم بعضا ، لا ينبغي على العموم إغفاله ، عند مناقشة التطور الذي مرت به الفروع المختلفة ، وكذلك الاشتغال بالعلوم ، وذلك كيلا تفترض فروض ، يتبين فيما بعد أنها غير صحيحة ( انظر مثلا : تاريخ التراث العربي Iv , 12 ) . وما يعنينا أساسا ، وفي هذا المقام ، هو بيان أن الآثار الشعرية لأقاليم المشرق ، وقبل كل شئ في مركز الخلافة ، في القرون الأولى خاصة ، كانت معروفة أيضا في القسم الغربى من محيط الثقافة الإسلامية ، وأنه في بادئ الأمر لا نتبين بعد تطورا خاصا في الأقاليم المختلفة ، وبحسبنا هنا أن نجتزئ بذكر مثالين من بين أمثلة وافرة ، على أن الشعراء في القسمين الشرقي والغربى كانوا على معرفة جيدة / بشهرة زملائهم ، وبمستواهم العلمي : / فقد درج عباس بن ناصح الثقفي ( المتوفى نحو سنة 238 / 852 ، يأتي ذكره ص 673 ) ، من شعراء الحكم ابن هشام ، على أن يسأل المسافرين عن أحوال الشعراء والشعر في مركز الخلافة ؛ ليكون على علم دائم بأحوالهما ، وكما تخبرنا المصادر ، فإن الثقفي قام برحلة لمجرد التعرف إلى أبى نواس ، الذي ترامت شهرته إليه ، ويتجلى مما دار بينهما من حديث أن أبا نواس كان كذلك على علم حسن بمعاصريه من الشعراء في الأندلس « 5 » وكذلك رحل الأديب الشاعر عثمان بن المثنى القيسي ( ولد سنة 174 / 790 ، وتوفى سنة 273 / 886 ) إلى المشرق ، وقرأ على أبى تمام ديوانه ، ثم أدخله الأندلس « 6 » . من الجلىّ أن الشعر الذي تعهّدوه بالأندلس ، وكان ممثلوه الأوائل من العرب الأمويين
--> ( 5 ) انظر : طبقات النحويين ، للزبيدى 284 ، 286 ، تاريخ علماء الأندلس ، لابن الفرضي ( طبعة ثانية ) 1 / 340 - 341 ( 6 ) انظر : طبقات النحويين للزبيدى 288 ، وقد سبق ذكره ص 554 ، وراجع : J . t . monroe , hispano - arabicpoetryduri ngthecaliphateof cordobain : arabicpoetry , wiesbaden 1973 , s , 125 - 154 .